تحضير نص علم التاريخ لغة عربية س3 ثانوي الشعب العلمية
تحضير درس علم التاريخ (المرتبط بمقدمة ابن خلدون)، حيث تم دمج جميع الأفكار والملاحظات والتحليلات الواردة في المسودة الأصلية، مع تنظيمها بأسلوب لغوي رصين وهيكلة واضحة.
التعريف بعلم التاريخ وعلم الأنساب
يستهل النص بتعريف دقيق لمفهوم التاريخ، باعتباره علماً يُتعرف منه على أنساب الناس وقواعده الكلية والجزئية. الغرض الأساسي منه هو الاحتراز عن الخطأ في نسب الأشخاص، وهو علم عظيم النفع، استدلالاً بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾.
تجدر الإشارة إلى العلاقة التاريخية بين العلمين؛ فقد كان علم الأنساب في بدايته فرعاً من فروع علم التاريخ، ثم ما لبث أن تطور ليصبح علماً مستقلاً بذاته، له أصوله وفنونه المعروفة لدى الأمة.
الحقل الدلالي والمصطلحات المنهجية
يزخر النص بمجموعة من المفردات والمصطلحات التي تشكل البنية الدلالية للموضوع، ويمكن تصنيفها كالتالي:
1. مفردات الحقل الدلالي (أخبار وأيام العرب)
تتمحور الكلمات المفتاحية حول القيم والأنشطة المرتبطة بتاريخ العرب وأخبارهم، ومنها:
- الصفات: الذكاء، الحكمة، الشجاعة.
- الأحداث: الغزوات، الفتوحات.
- المكونات الثقافية والاجتماعية: الشعر، الأمراء، العامة.
2. مصطلحات منهج كتابة التاريخ
حدد النص المصطلحات التي لها علاقة مباشرة بالمنهجية العلمية لكتابة التاريخ عند ابن خلدون:
- معيار الحكمة.
- معرفة طبائع الكائنات.
- تحكيم النظر.
- قواعد السياسة.
اكتشاف معطيات النص: القضية والمنهج
موضوع النص وإشكاليته
تطرق ابن خلدون في هذا النص إلى أهمية علم التاريخ باعتباره "قاموساً" لتدوين أحداث البشر السالفة على جميع الأصعدة. أما القضية العلمية الجوهرية التي عالجها فهي "كيفية كتابة التاريخ"، حيث أصر الكاتب على وجوب إيجاد منهجية مضبوطة تعتمد على مقاييس موضوعية دقيقة لكتابة تاريخ الشعوب.
المقارنة بين منهج ابن خلدون ومؤرخي عصره
أوضح النص الفارق الجوهري بين ما يدعو إليه ابن خلدون وما كان عليه المؤرخون في زمانه:
- منهج ابن خلدون: حدد أسباباً عقلانية لكتابة التاريخ، مؤكداً على ضرورة التعمق في أسرار "طبائع الموجودات" للوصول إلى الحقيقة التاريخية.
- منهج المعاصرين له: كان يعتمد بشكل أساسي على النقل والرواية السطحية، مما حول التاريخ عندهم إلى مجرد أخبار تتداولها الألسن دون تمحيص.
- المأخذ (العيب): عاب ابن خلدون على هؤلاء المؤرخين إلغاءهم لقانون "تطور الأحداث" عبر العصور؛ فما كان صالحاً في زمن معين لم يعد معمولاً به في أزمان أخرى.
الفائدة من علم التاريخ
تكمن الفائدة المرجوة من هذا العلم في:
- الاقتداء: الاستفادة من أحوال السابقين سواء في الأمور الدينية أو الدنيوية.
- الاتصال: ربط الحاضر بالماضي لإثبات الوجود والهوية والأصل.
- العلاقات: تعتبر هذه المعرفة من أساسيات الوجود الإنساني التي تبنى عليها العلاقات الجغرافية والدولية.
ولتحقيق هذه الفائدة، يرى الكاتب ضرورة وجود علاقة وثيقة بين المعنى والمنهج، أي تأريخ الحقائق بقواعد تحتكم إلى بعد النظر وعمق البصيرة.
الأسلوب المعتمد في العرض
اعتمد الكاتب في عرض أفكاره على طريقة موضوعية، كانت أدواتها الفكرية البارزة: الإقناع والتعليل. وقد اتضح ذلك جلياً في الفقرة الأولى من خلال توظيف شبكة من الروابط:
- حروف الوصل والجر.
- روابط النفي والتأكيد.
- الروابط السببية.
مناقشة المعطيات: النقد والسمات الفكرية
المنهجية المعتمدة في النص (طرح المشكل)
اتبع الكاتب منهجاً يعتمد على تقديم المشكلة المتمثلة في الأخطاء الشائعة والمنهجيات الفاسدة في كتابة التاريخ، وذلك لإقناع القارئ بخلل ما هو موجود. تلا ذلك تقديم البديل عبر تحديد الطريقة المثلى والسليمة للكتابة.
- أهمية هذا الأسلوب: يساعد طرح المشكلة القارئ على الفهم السريع، حيث يدخل الكاتب في صلب الموضوع مباشرة، مما يجنب القراء التعب الذهني والملل.
الأحكام النقدية وطبيعة فكر الكاتب
استخدم الكاتب أحكاماً نقدية قوية لوصف أخطاء المؤرخين، مثل:
- "لم يعرضوها على أصولها".
- "لا قاسوها بأشباهها".
- "ضلوا عن الحق".
- "حادوا عن جادة الصدق".
تعكس هذه الأحكام الطبيعة الفكرية للكاتب، فهو منطقي ومنهجي (خاصة في مقدمته الشهيرة). هذه الطبيعة لم تكن سائدة في عصره، حيث لم تكن دراسات معاصريه مبنية على الأصول الحقيقية للبحث العلمي. ومثال ذلك المؤرخ المقريزي، الذي تميزت دراسته لأحوال القمر بالخلط بين الملاحظة البسيطة والحقائق غير المثبتة، كإشارته لتأثير القمر على الأجسام وهي حقيقة لم تثبتها النظريات العلمية الحديثة بنفس الشكل.
دراسة الظواهر الأدبية واللغوية
رغم أن النص يندرج تحت النثر العلمي، إلا أنه زاوج بين الظاهرة العلمية (تحديد ضوابط أصول كتابة التاريخ) والظاهرة الأدبية الجمالية.
1. الصور البيانية
وظف الكاتب صوراً بيانية لتقريب المعنى وتوضيح خطورة المنهج الخاطئ، ومنها:
- "ينكبان به عن المزلات" (كناية عن التحرّي والحذر).
- "مطية الهذر" (تشبيه بليغ).
- "مهواة من الغلط" (استعارة).
- "تاهوا في بيداء الوهم" (تشبيه الوهم بالصحراء، للدلالة على الضياع).
2. المحسنات البديعية
استخدم الكاتب ألوان البديع لخدمة المعنى وتوكيده:
- الطباق: (غثاً $\times$ سميناً)، (الغائب $\times$ الشاهد)، (الحاضر $\times$ الذاهب).
- السجع: توظيف السجع في بعض الجمل لإحداث إيقاع موسيقي خفيف.
النزعة الإصلاحية وبناء النص
النزعة الإصلاحية
تبرز نزعة الإصلاح بوضوح في النص، إذ يدعو الكاتب إلى:
- تصحيح النظرة في الأنشطة الإنسانية.
- دراسة التاريخ وفق معطيات عقلانية.
- الابتعاد الكلي عن الأخبار الواهية لتجنب الغلط، ومن ثم تقديم تصوير حقيقي للوجود الإنساني عبر العصور.
تحديد بناء النص وأدوات الاتساق
- نمط النص: تفسيري برهاني؛ وهو النمط الملائم لمثل هذه النصوص العلمية النقدية.
- الروابط المستعملة:
- الروابط المنطقية: (لأن، الواو).
- الروابط الاستنتاجية: (إذاً، ذلك، كما يكون).
- الروابط الشرطية: (إذا).
- الخلاصة: تحقق الترابط من خلال العلاقة الفكرية المتينة بين الفقرات، واستخدام الروابط التي جعلت الأفكار أكثر اتساقاً وتجانساً.
إجمال القول (الخاتمة)
يُعد هذا النص نموذجاً راقياً لـ النثر العلمي في عصر الضعف والانحطاط. لقد استطاع ابن خلدون أن يجمع فيه بين الدقة العلمية والطرح الموضوعي، متناولاً قضية الكتابة التاريخية بأسلوب عالج من خلاله أخطاء عصره، ووضع أسساً منهجية لا تزال مرجعاً في فلسفة التاريخ.